أبي منصور الماتريدي

148

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وما هو لليمين من الحكم ، لا يجب لغيرها نحو الكفارة التي تجب للحنث فيها ، ثم يجب له على كل حال ، على أي وصف كانت اليمين . فكذلك حكم الإيلاء . وهو قول عبد اللّه بن مسعود وعبد اللّه بن عباس ، رضى اللّه تعالى عنهما . وروى عن علي « 1 » - رضى اللّه تعالى عنه - التفريق بين الغضب والرضا . ثم أوجب التربص للمولى . فمن كانت يمينه بدون أربعة أشهر فهو بعد المدة ليس بمول ، فلم يلزمه الحكم الذي جعل اللّه للإيلاء ؛ ألا ترى أنه في المدة ذكر ( الفىء ) « 2 » ، وهو لو وجد منه لم يجب عليه ما في الفىء من

--> ( 1 ) أخرجه عبد بن حميد كما في الدر المنثور ( 1 / 483 ) . ( 2 ) الفىء : هو أن يرجع الزوج إلى معاشرة الزوجة التي آلى منها ، بحيث تعود الحياة الزوجية بينهما إلى ما كانت عليه قبل الإيلاء . وللفيء طريقان : إحداهما أصلية ، والأخرى استثنائية أما الأصلية : فهي الفىء بالفعل ، وأما الاستثنائية : فهي الفىء بالقول . أ - الفىء بالفعل : المراد بالفعل الذي يكون فيئا وينحل به الإيلاء : إنما هو الجماع ، ولا خلاف في هذا لأحد من الفقهاء . قال ابن المنذر : أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن الفىء : الجماع ، ولا يكون ما دون الجماع فيئا . وينبنى على الفىء بالفعل انحلال الإيلاء ، ولزوم مقتضى اليمين ؛ لأنه بالجماع يتحقق الحنث ، واليمين لا تبقى بعد الحنث ؛ إذ الحنث يقتضى نقض اليمين ، والشئ لا تبقى مع وجود ما ينقضه . فإن كانت اليمين قسما بالله تعالى أو بصفة من صفاته التي يحلف بها : كعزة اللّه وعظمته وجلاله وكبريائه لزمته كفارة يمين في قول أكثر أهل العلم ، وعند بعض العلماء لا تجب عليه الكفارة . وإن كانت اليمين بتعليق شئ على قربان الزوجة لزمه ما التزمه من ذلك ، فإن كان المعلق على القربان طلاقا أو عتقا وقع الطلاق والعتق وقت حصول الفىء ؛ لأن الطلاق والعتق متى علق حصوله على حصول أمر في المستقبل ، ووجد المعلّق عليه ، وقع الطلاق وثبت العتق بمجرد وجوده ، كما هو مذهب الفقهاء . وإن كان المعلق على القربان صلاة أو صياما أو حجا أو صدقة : فإما أن يعيّن لأدائه وقتا أو لا يعين ، فإن عين للأداء وقتا كأن يقول : إن قربت زوجتي مدة خمسة أشهر فعلىّ صلاة مائة ركعة في يوم كذا - مثلا - لزمته الصلاة في الوقت الذي عينه . وإن لم يعين للأداء وقتا وجب عليه فعل ما التزمه في أي وقت أراد ، ولا إثم عليه في التأخير ، وإن كان الأفضل الأداء في أول وقت يمكنه الأداء فيه ؛ خوفا من انتهاء الأجل قبل أن يؤدى ما وجب عليه . ب - الفىء بالقول : إذا آلى الرجل من زوجته كان الواجب شرعا عليه أن يفىء إليها بالفعل ، فإن لم يقدر على الفىء بالفعل لزمه الفىء بالقول ، كأن يقول : فئت إلى زوجتي فلانة ، أو : رجعت عما قلت ، أو : متى قدرت جامعتها ، وما أشبه ذلك من كل ما يدل على رجوعه عما منع نفسه منه باليمين . والحكمة في تشريع الفىء بالقول : أن الزوج لما آذى زوجته بالامتناع من قربانها ، وعجز عن الرجوع ، وكان في إعلانه الوعد به إرضاء لها لزمه هذا الوعد ؛ ولأن المقصود بالفيئة ترك الإضرار الذي قصده الزوج بالإيلاء ، وهذا يتحقق بظهور عزمه على العود إلى معاشرتها عند القدرة . ولا يصح الفىء بالقول إلا إذا توافرت فيه الشرائط الآتية : الشريطة الأولى : العجز عن الجماع ، فإن كان الزوج قادرا على الجماع لا يصح منه الفىء -